محمد جمال الدين القاسمي
303
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقوله تعالى : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ يحتمل الأيدي والأفواه أن يكونا الجارحتين المعروفتين . وأن يكونا من مجاز الكلام . وفي الأول وجوه : أي : ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل ، كقوله : عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [ آل عمران : 119 ] ، أو وضعوها على أفواههم ضحكا واستهزاء كمن غلبه الضحك . أو وضعوها على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء : أن يكفّوا ويسكتوا . أو أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل أن : اسكتوا . و ( في ) بمعنى ( إلى ) أو وضعوا أيديهم على أفواه الرسل منعا لهم من الكلام أو أنهم أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليقطعوا كلامهم . ومن بالغ في منع غيره من الكلام ؛ فقد يفعل به ذلك . أو أشاروا بأيديهم إلى جوابهم وهو قولهم إِنَّا كَفَرْنا أي : هذا جوابنا الذي نقوله بأفواهنا ، والمراد إشارتهم إلى كلامهم كما يقع في كلام المتخاطبين ، أنهم يشيرون إلى أن هذا هو الجواب ثم يقرّرونه ، أو يقررون ثم يشيرون بأيديهم إلى أن هذا هو الجواب . قيل : وهو أقوى الوجوه المتقدمة . لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار ، جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول . ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يمهلوا ، بل عقبوا دعوتهم بالتكذيب . وفي تصديرهم الجملة ب ( أن ) ومواجهة الرسل بضمائر الخطاب وإعادة ذلك ، مبالغة في التأكيد . وفي الثاني - أعني المعنى المجازيّ - وجوه : قال أبو مسلم الأصفهانيّ : المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج ، وذلك لأن إسماع الحجة إنعام عظيم ، والإنعام يسمى يدا ، يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفا ؛ وقد يذكر اليد والمراد منها صفقة البيع والعقد ، كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] . فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد ، وأيضا العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أياد ؛ وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي ، وفي العدد الكثير الأيادي . فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي . وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم ، فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت ؛ ونظير قوله تعالى : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [ النور : 15 ] ، فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه كان الدفع ردا في الأفواه . انتهى .